Essay · Austrian School · 1920

الحساب الاقتصادي في الكومنولث الاشتراكي

Reading time
45 min
Published
1920
Summary

يطوّر Mises في هذا النص التأسيسي للجدل حول الاشتراكية البرهانَ على أن الاقتصاد الرشيد مستحيل في الجماعة الاشتراكية، لأن زوال الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج يُزيل معه أيضاً أسعارها في السوق. فمن دون أسعار نقدية للسلع الإنتاجية يغيب القاسم المشترك الذي يقوم عليه الحساب الاقتصادي؛ ولا يستطيع الحساب العيني ولا نظرية القيمة العمالية الماركسية أداء هذه الخدمة، إذ يخفق الأول مع السلع من رتبة أعلى، ولا تدرك الثانية لا اختلاف نوعية العمل ولا استهلاك عوامل الإنتاج المادية. ويتناول Mises في خمسة أقسام توزيع السلع الاستهلاكية، وماهية الحساب الاقتصادي، واستحالته في الاقتصاد الجماعي، ومشكلة المسؤولية والمبادرة في المنشأة المؤمَّمة، فضلاً عن مناقشة لكتابات Otto Bauer وLenin اللذين لم تتبلور لديهما مشكلة الحساب الحقيقية في وعيهما، بحسب تحليله. وقد صار هذا المقال، الذي نُشر عام 1920 في Archiv für Sozialwissenschaft und Sozialpolitik، شرارة انطلاق الجدل الاشتراكي حول الحساب الاقتصادي، ولا يزال يُعدّ حتى اليوم أحدّ دحضٍ نظري للاقتصاد المخطّط.

مقدمة

كثير من الاشتراكيين لم يشتغلوا قط بالمسائل الاقتصادية الوطنية، ولم يحاولوا قط أن يكوّنوا لأنفسهم تصوراً واضحاً عن الشروط التي يمارس البشر في ظلها نشاطهم الاقتصادي. وآخرون، في المقابل، انشغلوا على نحو بالغ التفصيل باقتصاد الماضي والحاضر، وسعَوا إلى وضع منظومةٍ لاقتصاد »المجتمع البرجوازي«. لقد انغمسوا في نقد الأوضاع الاقتصادية للاقتصاد »الحر«، لكنهم تخلّفوا بانتظام عن أن يطبّقوا الحدّة اللاذعة التي أبدَوها هنا — وليس دائماً بنجاح — على اقتصاد المجتمع الاشتراكي المنشود أيضاً. ففي الأوصاف الزاهية الألوان التي خطّها أصحاب الطوبى (الـ Utopisten)، يأتي العنصر الاقتصادي بالذات دائماً مقصِّراً ناقصاً. إنهم يبشّرون بأن الحمائم المشويّة في بلاد عسلهم وسمنهم ستطير إلى أفواه الرفاق، لكنهم للأسف يتخلّفون عن أن يبيّنوا بأي طريقةٍ تتحقق هذه المعجزة. وحيثما يشرعون في أن يكونوا أكثر وضوحاً في الشأن الاقتصادي، يتحطّمون سريعاً — وليتذكّر المرء مثلاً أوهام بنك التبادل (Tauschbank) عند Proudhon — حتى إنه ليس من العسير الكشف عن أخطائهم المنطقية. وإذا كانت الماركسية قد حظرت على مؤمنيها حظراً مهيباً أن ينشغلوا بمشكلات الاقتصاد التي تقع وراء نزع ملكية نازعي الملكية، فإنها بذلك لم تفعل في الحقيقة شيئاً خاصاً، إذ إن »أصحاب الطوبى« أيضاً أهملوا في أوصافهم الجانب الاقتصادي، ووجّهوا اهتمامهم وحده إلى تصوير الأوضاع الظاهرية وما يترتب على إعادة ترتيب الأشياء من نتائج هي بطبيعة الحال الأكثر مواتاةً.

وسواءٌ أدرك المرء أن مجيء الاشتراكية ضرورةٌ لا فكاك منها في تطور الإنسانية أم لم يدركه، وسواءٌ توقّع من تأميم وسائل الإنتاج (Vergesellschaftung der Produktionsmittel) أعظم سعادةٍ للبشر أم أعمق شقاء، فإنه سيتعيّن عليه مع ذلك أن يُقرّ بأن الأبحاث في شروط إدارة نشاطٍ اقتصاديٍّ على أساسٍ اشتراكي ليست مجرد ما يُعَدّ »تمريناً ذهنياً جيداً ووسيلةً لتعزيز الوضوح والثبات السياسيين«. ففي زمنٍ نقترب فيه من الاشتراكية أكثر فأكثر، بل نقف فيه بمعنى من المعاني وسطها بالفعل، يكتسب بحثُ مشكلات الاقتصاد الاشتراكي دلالةً أيضاً لتفسير ما يجري حولنا. فلفهم الظواهر الاقتصادية الوطنية في ألمانيا اليوم وفي بلدان جوارها الشرقية، لم يَعُد ما يضعه تحليلُ اقتصاد التبادل (Verkehrswirtschaft) بين أيدينا كافياً منذ زمن بعيد. فنحن مضطرون هنا بالفعل إلى أن نستعين بقدرٍ كبيرٍ جداً بعناصر من الكومنولث الاشتراكي. وفي ظل هذه الظروف، فإن المحاولات الرامية إلى تكوين تصورٍ واضحٍ عن ماهية الاقتصاد الاشتراكي لا تحتاج إلى أي تبرير خاص.

Chapter I.

توزيع السلع الاستهلاكية في الكومنولث الاشتراكي

في الجماعة الاشتراكية تكون جميع وسائل الإنتاج ملكاً للكومنولث. والكومنولث وحده هو من يستطيع التصرف بها وتحديد استخدامها في الإنتاج. ومن البديهي أن الكومنولث لن يكون قادراً على ممارسة صلاحياته إلا من خلال جهازٍ خاص، إذ لا يمكنه على نحوٍ آخر أن يظهر فاعلاً. وكيف يُشكَّل هذا الجهاز، وكيف تتجلى فيه ومن خلاله الإرادة الجماعية، فذلك أمرٌ ذو أهميةٍ ثانوية بالنسبة إلينا. وقد يفكّر المرء مثلاً في انتخاب الجهاز، وفي حال تألّف من أكثر من فردٍ واحد، في قرارات الأغلبية لأعضاء الهيئة.

إن مالك السلع الإنتاجية، الذي أنتج وغدا بذلك مالكاً لسلع التمتع، يملك الآن الخيار إما أن يستهلك بنفسه أو أن يدع آخرين يستهلكون. أما الكومنولث، بوصفه مالكاً لسلع التمتع التي حصل عليها من خلال الإنتاج، فلا يحق له مثل هذا الخيار. فهو لا يستطيع أن يتمتع بنفسه، بل عليه أن يدع البشر يتمتعون. من الذي ينبغي أن يتمتع وما الذي ينبغي أن يتمتع به كلٌّ منهم، تلك هي مشكلة التوزيع الاشتراكية.

من خصائص الاشتراكية أن توزيع سلع التمتع يجب أن يكون مستقلاً عن الإنتاج وشروطه الاقتصادية. فمن غير المتوافق مع ماهية الملكية المشتركة لسلع الإنتاج أن يُستند ولو في جزءٍ من التوزيع إلى الإسناد الاقتصادي (Zurechnung) لعائد كلٍّ من عوامل الإنتاج المفردة. وسيكون من غير المتصوَّر مثلاً أن يُعطى العامل سلفاً العائد الكامل لعمله، ثم تُجرى عملية توزيعٍ خاصة »لإخضاع« حصص عوامل الإنتاج المادية. ذلك أنه يكمن، كما سيتبيّن لاحقاً، في ماهية أسلوب الإنتاج الاشتراكي أن حصص كلٍّ من عوامل الإنتاج المفردة من عائد الإنتاج لا يمكن تحديدها فيه على الإطلاق، وأنها غير قابلةٍ لأي مراجعةٍ حسابية للعلاقة بين نفقة الإنتاج وعائد الإنتاج.

أما أي مبدأٍ يُختار لتخصيص سلع التمتع لكلٍّ من الرفاق، فذلك أمرٌ هامشيٌّ إلى حدٍّ بعيد بالنسبة إلى دراسة المشكلات التي تشغلنا. فسواءٌ أراد المرء أن يقدّر للفرد بحسب حاجاته، بحيث يحصل ذو الحاجات الأكبر على أكثر ممن حاجاته أصغر، أو راعى استحقاق الفرد بحيث يحصل الأفضل على أكثر من الأسوأ، أو رأى المثلَ الأعلى في التوزيع المتساوي قدر الإمكان بحيث يحصل كلٌّ منهم على الكمية ذاتها بقدر المستطاع، أو أراد أن يتخذ الخدمات المؤدّاة للكومنولث مقياساً للتوزيع بحيث ينال الأكثر اجتهاداً أكثر من الأكسل، فإن الأمر سيكون دائماً على نحوٍ يحصل فيه كلٌّ منهم على تخصيصٍ من الكومنولث.

ولنفترض، توخّياً للبساطة، أن التخصيص يجري وفق مبدأ المعاملة المتساوية لجميع أعضاء المجتمع؛ فليس من العسير حينئذٍ أن يتصوّر المرء بعض التعديلات المفردة التي تدرّج المخصَّص بحسب العمر والجنس والحالة الصحية والمقتضيات المهنية الخاصة وما شابه. فيحصل الرفيق مثلاً على حزمةٍ من الحوالات (Anweisungen) التي تُستبدَل خلال مدةٍ معينة بكميةٍ معينة من سلعٍ مختلفة محددة. وهكذا يستطيع حينئذٍ أن يتناول الطعام عدة مرات يومياً، وأن يجد مأوى على الدوام، وأن يمارس الملذات بين الحين والآخر، وأن يتلقّى من وقتٍ لآخر قطعةً جديدة من الملابس. وأما إن كان إشباع الحاجات المتاح بهذه الطريقة سيأتي أوفر أو أقل وفرة، فذلك سيتوقف على غزارة العمل الاجتماعي.

ليس من الضروري أن يستهلك كلٌّ منهم حصته كاملةً بنفسه أيضاً. فبإمكانه أن يدع بعضها يفسد من دون أن يُتمتَّع به، أو أن يهبه، أو، ما دام ذلك متوافقاً مع طبيعة السلعة، أن يدّخره لحاجةٍ لاحقة. لكن بإمكانه أيضاً أن يبادل بعضها. فشارب الجعة سيتنازل عن طيب خاطر عن المشروبات الخالية من الكحول التي تخصّه إن أمكنه أن يحصل على مزيدٍ من الجعة؛ والمُمتنِع عن الكحول سيكون مستعداً للتنازل عن حصته من المشروبات الروحية إن استطاع أن يكتسب بها ملذاتٍ أخرى. ومحبّ الفنّ سيرغب في التنازل عن ارتياد دور السينما كي يتمكّن من سماع الموسيقى الجيدة أكثر؛ والغليظ الذوق سيرغب في أن يتخلى عن البطاقات التي تخوّله الدخول إلى أماكن الفنّ الرفيع لقاء ملذاتٍ هو أكثر تفهّماً لها. وسيكون جميعهم مستعدين للمبادلة. لكن موضوع التبادل لن يكون أبداً سوى سلع التمتع. أما السلع الإنتاجية ففي المجتمع الاشتراكي تكون حصراً في ملكية المجموع؛ فهي ملكٌ مشتركٌ غير قابلٍ للتفويت، ومن ثَمَّ فهي res extra commercium.

ويمكن أن يجري التبادل أيضاً، حتى ضمن الإطار الضيّق الذي يخصّصه له النظام الاجتماعي الاشتراكي، على نحوٍ غير مباشر (vermittelt). وليس من الضروري أن يتمّ دائماً في صور المقايضة المباشرة. فالأسباب ذاتها التي أدّت في غير هذا المقام أيضاً إلى نشوء التبادل غير المباشر، ستجعله يبدو نافعاً في المجتمع الاشتراكي أيضاً لمصلحة المتبادلين. ويستتبع ذلك أن المجتمع الاشتراكي يتيح أيضاً مجالاً لاستخدام وسيط تبادلٍ عامّ الشيوع، هو النقود. وسيكون دورها في الاقتصاد الاشتراكي من حيث المبدأ هو ذاته في الاقتصاد الحر، ففي كليهما هي وسيط التبادل العام الشيوع. غير أن دلالة هذا الدور تختلف في النظام الاجتماعي القائم على الملكية المشتركة لوسائل الإنتاج عنها في النظام القائم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج. فهي هنا أضأل بما لا يقاس، لأن التبادل في هذا المجتمع ذو دلالةٍ أقل بكثير، ولأنه هنا لا يطال على الإطلاق سوى السلع الاستهلاكية. وبما أنه لا تُتداوَل أي سلعةٍ إنتاجية في التبادل، فإنه يغدو من المستحيل التعرّف على أسعار نقديةٍ للسلع الإنتاجية. أما الدور الذي تؤديه النقود في الاقتصاد الحر في مجال الحساب الإنتاجي، فلا يمكن أن تحتفظ به في الجماعة الاشتراكية. فالحساب القيمي بالنقود يغدو هنا مستحيلاً.

إن نسب التبادل التي تنشأ في التعامل بين الرفاق لا يمكن لإدارة الإنتاج والتوزيع أن تتركها من دون اعتبار. فعليها أن تتخذ هذه النسب التبادلية أساساً إن أرادت، عند تخصيص الحصص الفردية، أن تجعل سلعاً مختلفة قابلةً للإحلال المتبادل. فإذا نشأت في التبادل النسبة: سيجارٌ واحد يساوي 5 لفافات (سجائر)، فلا يمكن للإدارة من دون مزيد أن تعلن أن سيجاراً واحداً يساوي 3 لفافات، كي تخصّص وفق هذه النسبة لأحدهم سيجاراً فقط وللآخر لفافات فقط. فإن لم تكن حوالة التبغ ستُستبدَل لكل امرئ على نحوٍ متساوٍ جزءٌ منها بسيجار والجزء الآخر بلفافات؛ وإن كان البعض سيحصلون على سيجارٍ فقط والبعض الآخر على لفافاتٍ فقط، إما لأنهم يرغبون في ذلك أو لأن مركز الاستبدال لا يستطيع في تلك اللحظة غير ذلك، فإنه سيتعيّن حينئذٍ مراعاة نسب التبادل السائدة في السوق. وإلا فإن جميع من حصلوا على لفافات سيتضرّرون إزاء من حصلوا على سيجار. ذلك أن من حصل على سيجارٍ يستطيع أن يبادل به خمس لفافات، في حين أن السيجار يُحتسَب له بثلاث لفافات فقط.

ومن ثَمَّ فإن التغيرات في نسب التبادل في التعامل بين الرفاق ستضطرّ إدارة الاقتصاد إلى إجراء تغييراتٍ مقابلة في التقديرات الخاصة بقابلية مختلف سلع التمتع للإحلال.

إن كل تغيّرٍ من هذا القبيل يدلّ على أن العلاقة بين كلٍّ من حاجات الرفاق وإشباعها قد تبدّلت، وأن بعض السلع أصبحت الآن مرغوبةً بقوةٍ أكبر من غيرها. ومن المرجّح أن إدارة الاقتصاد ستسعى إلى مراعاة ذلك في الإنتاج أيضاً. فستسعى إلى توسيع إنتاج الأصناف الأكثر طلباً، وتقليص إنتاج الأقل طلباً. لكن شيئاً واحداً لن تستطيع فعله: لن يجوز لها أن تترك للرفيق المفرد أن يستبدل بطاقة تبغه حسب هواه إما بسيجار أو بلفافات. فلو منحت الرفيق حقّ أن يختار ما إذا كان يريد الحصول على سيجارٍ أم على لفافات، لأمكن أن يحدث أن يُطلَب من السيجار أو من اللفافات أكثر مما أُنتِج، وأن تبقى من جهةٍ أخرى لفافاتٌ أو سيجارٌ راكدةً في مراكز التسليم لأن لا أحد طلبها.

إذا تبنّينا وجهة نظر نظرية قيمة العمل، فإن لهذه المشكلة بالطبع حلًّا بسيطًا. يتلقّى الرفيق عن كل ساعة عمل أدّاها بطاقةً تخوّله استلام ناتج ساعة عمل واحدة، منقوصًا منه ما يُقتطع لتغطية الأعباء الملقاة على عاتق المجتمع برمّته، كإعالة العاجزين عن الكسب والنفقات الثقافية وما شابه ذلك. فإذا افترضنا أن الاقتطاع لتغطية النفقات التي يتحمّلها المجتمع يبلغ نصف ناتج العمل، لكان لكل عامل عمل ساعة واحدة الحق في استلام منتجات بُذل في إنتاجها نصف ساعة من العمل. ويمكن لأي شخص قادر على أن يدفع لقاء السلع والخدمات الجاهزة للاستعمال أو الاستهلاك ضعفَ وقت العمل المبذول في إنتاجها أن يسحبها من السوق ويوجّهها إلى استهلاكه أو استعماله الخاص. ومن أجل توضيح مسائلنا، يكون من الأفضل أن نفترض أن المجتمع لا يُجري مقدّمًا على العامل أي اقتطاع لتغطية النفقات الملقاة على عاتقه، بل يحصل على الوسائل التي يحتاجها عن طريق فرض ضريبة على دخل أعضائه العاملين. وعلى ذلك يُمنح كل ساعة عمل أُدّيت الحقُّ في اجتذاب سلع توجّب بذل ساعة عمل في إنتاجها. غير أن تنظيمًا كهذا للتوزيع يكون غير قابل للتطبيق، لأن العمل لا يمثّل مقدارًا موحّدًا ومتجانسًا. فبين مختلف الأعمال المُؤدّاة فرقٌ نوعي، يؤدّي، بالنظر إلى اختلاف صياغة الطلب والعرض على منتجاتها، إلى تقييم مختلف. فلا يمكن، مع بقاء الأشياء الأخرى على حالها (ceteris paribus)، زيادة المعروض من اللوحات دون أن تتضرّر جودة المنتَج. ولا يمكن أن يُمنح العامل الذي أدّى ساعة من أبسط الأعمال الحقَّ في استهلاك ناتج ساعة من عمل أرفع تأهيلًا. بل يستحيل في المجتمع الاشتراكي أصلًا إقامةُ صلة بين أهمية عمل ما للمجتمع ومشاركته في عائد عملية الإنتاج الاجتماعية. ولا يمكن لمكافأة العمل هنا إلا أن تكون اعتباطية؛ ولا يمكن بناؤها على العزو الاقتصادي للعائد كما هي الحال في اقتصاد التبادل الحر القائم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، لأن العزو، كما سنرى، غير ممكن في المجتمع الاشتراكي. والحقائق الاقتصادية ترسم لسلطة المجتمع في تحديد مكافأة العامل وفق هواه حدًّا ثابتًا: إذ لا يمكن في الأحوال كافة أن يتجاوز مجموع الأجور على المدى الطويل الدخل الاجتماعي. غير أن للمجتمع، ضمن هذا الحد، أن يتصرّف بحرية. فبوسعه دون مزيد أن يقرّر اعتبار جميع الأعمال متساوية القيمة، وأن تُمنح عن كل ساعة عمل، دون تمييز لجودتها، المكافأةُ نفسها؛ ويمكنه بالقدر نفسه أن يميّز بين فرادى ساعات العمل بحسب جودة العمل المُؤدّى. لكنه في الحالتين كلتيهما سيتعيّن عليه أن يحتفظ لنفسه بحق التصرّف على نحو خاص في توزيع منتجات العمل. أما أن من أدّى ساعة عمل ينبغي أن يكون كذلك محقًّا في استهلاك ناتج ساعة عمل، فهذا أمر لا يمكنه قط أن يقرّره — حتى لو أراد المرء أن يصرف النظر عن اختلاف جودة العمل ومنتجاته، وأن يفترض فضلًا عن ذلك أنه من الممكن تحديد مقدار العمل الكامن في كل منتَج عمل. ذلك أن فرادى السلع الاقتصادية تتضمّن، إلى جانب العمل، نفقاتٍ مادية أيضًا. فالمنتَج الذي استُخدمت في صنعه مادة خام أكثر لا يمكن مساواته بمنتَج آخر استُهلكت في صنعه مادة خام أقل.

Chapter II.

ماهية الحساب الاقتصادي

كل من يفاضل، وهو يتصرّف في الحياة الاقتصادية، بين إشباع حاجتين لا يمكن إشباع إلا واحدة منهما، إنما يُصدر أحكام قيمة. وأحكام القيمة تطال أولًا وبصورة مباشرة إشباعَ الحاجة ذاته فحسب؛ ومنه ترتدّ إلى السلع من الرتبة الأولى ثم تمضي أبعد إلى السلع من الرتب الأعلى. والإنسان السليم الحواس قادر في العادة دون مزيد على تقييم السلع من الرتبة الأولى. وفي الظروف البسيطة ينجح كذلك بلا عناء في تكوين حكم عن الأهمية التي تكتسيها لديه السلع من الرتبة الأعلى. أما حيث يغدو وضع الأشياء أكثر تعقيدًا وتصبح العلاقات أعسر على الإحاطة، فلا بدّ من إجراء اعتبارات أدقّ ليتمّ تقييم وسائل الإنتاج على وجه صحيح — طبعًا بالمعنى الذي يقصده الذات المُقيِّمة فحسب، لا بمعنى موضوعي ذي سريان عام بصورة من الصور. قد لا يصعب على المزارع المنفرد اقتصاديًّا أن يتّخذ قرارًا بين التوسّع في تربية الماشية والتوسّع في نشاط الصيد. فمسالك الإنتاج المُتّبعة هنا لا تزال قصيرة نسبيًّا، والنفقة التي تتطلّبها والعائد الذي تَعِد به يمكن الإحاطة بهما بسهولة. لكن الأمر يختلف تمامًا حين يتعيّن المفاضلة، مثلًا، بين تسخير مجرى مائي لتوليد الطاقة الكهربائية، وبين التوسّع في تعدين الفحم وإنشاء منشآت لاستغلال الطاقة الكامنة في الفحم على نحو أفضل. فهنا تكون طرق الإنتاج غير المباشر كثيرة جدًّا، وكلٌّ منها بهذا الطول، وهنا تكون شروط نجاح المشاريع المُزمَع إطلاقها على هذا القدر من التعدّد، بحيث لا يمكن بحال الاكتفاء بتقديرات غامضة، بل يلزم إجراء حسابات أدقّ لتكوين حكم عن مدى الجدوى الاقتصادية لمسار العمل.

لا يمكن الحساب إلا بوحدات. غير أنه لا يمكن أن توجد وحدة لقيمة الاستعمال الذاتية للسلع. فالمنفعة الحدية لا تمثّل وحدة قيمة، إذ من المعلوم أن قيمة وحدتين من مخزون معطى ليست ضعف قيمة الوحدة الواحدة، بل لا بدّ أن تكون بالضرورة أكبر. فحكم القيمة لا يقيس، بل يدرّج، إنه يضع سُلَّمًا². ولذلك فإن المزارع المنفرد في اقتصاد بلا تبادل، حين يتعيّن عليه أن يتّخذ قرارًا حيث لا يبرز حكم القيمة بداهةً مباشرة، وحين يكون عليه أن يبني حكمه على حساب أدقّ أو أقلّ دقة فحسب، لا يمكنه أن يعمل بقيمة الاستعمال الذاتية وحدها؛ بل عليه أن يبني علاقات إحلال بين السلع يستطيع عندئذ أن يحسب على أساسها. ولن ينجح في العادة بذلك في إرجاع كل شيء إلى وحدة واحدة؛ غير أنه، حالما يوفَّق أصلًا في إرجاع جميع العناصر الداخلة في الحساب إلى تلك السلع الاقتصادية التي يمكن أن يطالها حكم قيمة بديهي مباشر، أي إلى السلع من الرتبة الأولى وإلى مشقّة العمل، سيجد في ذلك الكفاية لحسابه. ومن الواضح أن هذا لا يمكن إلا في ظروف بسيطة جدًّا. أما العمليات الإنتاجية الأكثر تعقيدًا والأطول فلن يكفي ذلك لها بحال.

في اقتصاد التبادل تظهر قيمة التبادل الموضوعية للسلع بوصفها وحدة الحساب الاقتصادي. وفي ذلك فائدة ثلاثية. فهي تتيح أولًا بناء الحساب على تقييم جميع المتعاملين المشاركين في التبادل. ذلك أن قيمة الاستعمال الذاتية للفرد، بوصفها ظاهرة فردية محضة، لا تقبل المقارنة المباشرة بقيمة الاستعمال الذاتية لأناس آخرين. وإنما تغدو كذلك أولًا في قيمة التبادل، التي تنشأ من تفاعل التقديرات القيمية الذاتية لجميع المتعاملين المشاركين في التبادل. ثم إن الحساب وفق قيمة التبادل يأتي برقابة على الاستخدام الأنجع للسلع. فمن أراد أن يحسب عملية إنتاج معقّدة يلاحظ على الفور إن كان يعمل بصورة أكثر اقتصادًا من غيره أم لا؛ فإن تعذّر عليه، بالنظر إلى علاقات التبادل السائدة في السوق، أن يُجري الإنتاج على نحو مربح، كان في ذلك إشارة إلى أن آخرين يُحسنون استثمار السلع المعنية من الرتبة الأعلى على وجه أفضل. وأخيرًا فإن الحساب وفق قيمة التبادل يتيح إرجاع القيم إلى وحدة واحدة. ولهذا الغرض يمكن، بما أن السلع قابلة للإحلال فيما بينها وفق علاقة التبادل في السوق، اختيارُ أي سلعة كانت. وفي الاقتصاد النقدي يُختار هنا النقد.

للحساب النقدي حدوده. فالنقد ليس مقياسًا للقيمة، ولا مقياسًا للسعر. ذلك أن القيمة لا تُقاس بالنقد. والأسعار كذلك لا تُقاس بالنقد، بل تقوم في النقد. والنقد، بوصفه سلعة اقتصادية، ليس »ثابت القيمة«، كما يميل المرء بسذاجة إلى افتراضه عند استخدامه معيارًا للمدفوعات الآجلة (standard of deferred payments). فعلاقة التبادل القائمة بين السلع والنقد خاضعة لتقلّبات دائمة، وإن لم تكن في العادة عنيفة أكثر مما ينبغي، تقلّبات لا تنشأ من جهة سائر السلع الاقتصادية فحسب، بل من جهة النقد أيضًا. غير أن ذلك لا يربك حساب القيمة إلا في أضيق الحدود، إذ إن هذا الحساب، بالنظر إلى التغيّرات التي لا تهدأ في سائر الظروف الاقتصادية، لا يعتاد أن يأخذ في حسبانه إلا فترات قصيرة، فترات لا يخضع فيها النقد »الجيّد« على الأقل في العادة إلا لتقلّبات صغيرة في علاقات التبادل من جهته هو. وقصورُ الحساب النقدي للقيمة لا ينبع في معظمه من أن الحساب يجري في وسيط تبادل عام الاستعمال، أي في النقد، بل من أن قيمة التبادل أصلًا هي التي تُجعل أساسًا للحساب، لا قيمة الاستعمال الذاتية. وهكذا لا يمكن أن تدخل في الحساب كلُّ تلك العوامل المُحدِّدة للقيمة التي تقع خارج التبادل. فمن يحسب جدوى توسيع قوة مائية لا يمكنه أن يُدخل في هذا الحساب جمال الشلّال الذي سيتضرّر من المنشأة، اللهمّ إلا أن يأخذ في اعتباره، مثلًا، تراجع السياحة وما شابهها، مما له في التبادل قيمته التبادلية. ومع ذلك يوجد هنا ظرف يُدخَل في الاعتبار عند مسألة ما إذا كان ينبغي تنفيذ البناء أم لا. ويُعتاد وصف هذه العوامل بأنها »خارج اقتصادية«. وقد يكون ذلك صحيحًا. ولا ينبغي التنازع حول المصطلحات. لكن لا يجوز للمرء أن يصف الاعتبارات التي تدفع إلى مراعاتها هي أيضًا بأنها غير رشيدة. فجمال منطقة أو مبنى، وصحة الناس وسعادتهم ورضاهم، وشرف أفراد أو شعوب بأسرها، إذا أدركها الناس بوصفها ذات مغزى، تكون، حتى وإن بدت غير قابلة للإحلال في التبادل ولم تدخل من ثَمّ في أي علاقة تبادل، دوافعَ للفعل الرشيد شأنها شأن الدوافع الاقتصادية بالمعنى الحقيقي. وكون الحساب النقدي لا يستطيع أن يطالها أمرٌ كامن في ماهيته، لكنه لا يمكن أن ينتقص من أهمية الحساب النقدي لما نأتيه ونذره في شؤوننا الاقتصادية. ذلك أن جميع تلك السلع المعنوية هي سلع من الرتبة الأولى، يمكن أن يطالها حكم قيمتنا مباشرة، ومن ثَمّ لا تترتّب صعوبة في مراعاتها، حتى وإن وجب أن تبقى خارج الحساب النقدي. وكون الحساب النقدي لا يراعيها لا يجعل الالتفات إليها في الحياة أعسر، بل يجعله بالأحرى أيسر. فإذا علمنا على وجه الدقة كم يكلّفنا الجمال والصحة والشرف والكبرياء، فلا شيء يمنعنا من مراعاتها بما يناسب. قد يبدو لطبع رهيف الإحساس أمرًا مؤلمًا أن يُضطرّ إلى الموازنة بين سلع معنوية وأخرى مادية. لكن الذنب في ذلك ليس للحساب النقدي، بل هو كامن في ماهية الأشياء. فحتى حيث تُصدَر أحكام قيمة مباشرةً دون حساب قيمي ونقدي، لا يمكن تفادي الاختيار بين الإشباع المادي والمعنوي. فالمزارع المنفرد كذلك، والمجتمع الاشتراكي كذلك، عليهما أن يفاضلا بين السلع »المعنوية« و»المادية«. والطباع النبيلة لن تشعر قط بألم حين يتعيّن عليها أن تفاضل بين الشرف والغذاء مثلًا. فستعرف كيف ينبغي لها أن تتصرّف في مثل هذه الحالات. فإن كان الشرف لا يُؤكل، فإن المرء يستطيع مع ذلك أن يتخلّى عن الأكل في سبيل الشرف. وإنما الذين يبتغون أن يُعفَوا من عذاب اختيار كهذا، لأنهم عاجزون عن أن يقرّروا التخلّي عن المتع المادية في سبيل مزايا معنوية، هم وحدهم من يرون في الاختيار ذاته انتهاكًا للقيم الحقيقية.

لا معنى للحساب النقدي إلا في إدارة الاقتصاد. فهنا يُستخدم لمواءمة التصرّف في السلع الاقتصادية مع قواعد الكفاءة الاقتصادية. ولا تدخل السلع الاقتصادية فيه إلا بتلك الكميات التي تُبادَل بالنقد. وكل توسيع لمجال تطبيق الحساب النقدي يؤدي إلى أخطاء. فالحساب النقدي يخفق حين يُسعى إلى استخدامه مقياساً لعالم السلع في الدراسات التاريخية عن تطوّر الأوضاع الاقتصادية، ويخفق حين يُسعى بالاستناد إليه إلى تقدير الثروة القومية والدخل القومي، وحين يُراد به حساب قيمة سلع تقع خارج التبادل، كما هو الحال مثلاً حين يُسعى إلى حساب الخسائر البشرية الناجمة عن الهجرة أو عن الحروب بالنقد³. إن هذه ألاعيب هاوية، وإن مارسها أحياناً اقتصاديون قوميون بالغو البصيرة.

لكن ضمن هذه الحدود التي لا يتجاوزها أبداً في الحياة الاقتصادية، يؤدي الحساب النقدي كل ما يجب أن نطلبه من الحساب الاقتصادي. فهو يمنحنا دليلاً يهدينا عبر الوفرة الساحقة من الإمكانات الاقتصادية. وهو يتيح لنا أن نمدّ حكم القيمة، الذي لا يرتبط ببداهة مباشرة إلا بالسلع الناضجة للاستهلاك وعلى أحسن تقدير بالسلع الإنتاجية من المراتب الأدنى، إلى جميع السلع من المراتب الأعلى. إنه يجعل القيمة قابلة للحساب، وبذلك يمنحنا أولاً الأسس لكل تدبير اقتصادي بالسلع من المراتب الأعلى. ولولاه لكان كل إنتاج بعمليات بعيدة المدى، ولكانت كل مسارات الإنتاج غير المباشر الرأسمالية الأطول، تحسّساً في الظلام.

ثمة شرطان هما اللذان يجعلان حساب القيمة بالنقد ممكناً. أولاً يجب ألا تكون السلع من المرتبة الأولى وحدها، بل السلع من المراتب الأعلى أيضاً، بقدر ما يُراد للحساب أن يشملها، داخلةً في التبادل. فلو لم تكن داخلةً في التبادل، لما تكوّنت نسب التبادل. صحيح أن الاعتبارات التي يتعيّن على المُدبِّر المنعزل أن يقوم بها حين يريد، داخل بيته عن طريق الإنتاج، أن يبادل العمل والدقيق بالخبز، ليست مختلفة عن تلك التي يقوم بها حين يريد في السوق أن يبادل الخبز بالملابس، ولذلك يكون المرء بمعنى ما على حق حين يصف كل فعل اقتصادي، أي حتى إنتاج المُدبِّر المنعزل، بأنه مبادلة⁴. لكن عقل إنسان واحد وحده، وإن كان أعبقر العقول، أضعف من أن يدرك أهمية كل واحدة من السلع التي لا تُحصى من المراتب الأعلى. فلا يستطيع فرد واحد أن يسيطر على الوفرة اللامتناهية من إمكانات الإنتاج المختلفة سيطرةً تجعله قادراً، من دون حساب مساعد، على إصدار أحكام قيمة بديهية مباشرة. إن توزيع سلطة التصرّف في السلع الاقتصادية للاقتصاد الاجتماعي القائم على تقسيم العمل على أفراد كثيرين يُحدِث نوعاً من تقسيم العمل الذهني، الذي لولاه لما أمكن حساب الإنتاج ولا الاقتصاد.

أما الشرط الثاني فهو أن يكون قيد الاستخدام وسيطُ تبادلٍ شائع الاستعمال، أي نقدٌ، يؤدي دوره الوسيط حتى في تبادل سلع الإنتاج. ولو لم يكن الأمر كذلك، لما أمكن إرجاع جميع نسب التبادل إلى مقام موحّد.

في ظروف بسيطة فحسب يقدر الاقتصاد على الاستغناء عن الحساب النقدي. ففي ضيق الاقتصاد المنزلي المغلق، حيث يستطيع ربّ الأسرة أن يستوعب آلية الاقتصاد كلها بنظرة، يمكن تقدير دلالة التغيّرات في طريقة الإنتاج تقديراً دقيقاً إلى حدٍّ ما، حتى من دون السند الذي يقدّمه الحساب للعقل. فعملية الإنتاج تجري هنا بتطبيق ضئيل نسبياً لرأس المال. وهي تسلك قليلاً من مسارات الإنتاج غير المباشر الرأسمالية؛ وما يُنتَج هو في الغالب سلعٌ استهلاكية أو سلعٌ من المراتب الأعلى ليست بعيدة جداً عن السلع الاستهلاكية. وتقسيم العمل لا يزال في أولى بداياته؛ فعاملٌ واحد بعينه ينجز عمل طريقة إنتاج بكاملها من بدايتها حتى اكتمال السلعة الناضجة للاستهلاك. وكل هذا مختلف في الإنتاج الاجتماعي المتطوّر. ولا يجوز أن يُلتمَس في خبرات زمن إنتاج بسيط قد تُجوِّز منذ أمد بعيد حجّةٌ على إمكان الاستغناء عن الحساب النقدي في التدبير الاقتصادي.

ففي الظروف البسيطة للاقتصاد المنزلي المغلق يمكن للمرء أن يستشرف الطريق كله من بدء عملية الإنتاج حتى اكتمالها، وأن يحكم دائماً ما إذا كانت هذه الطريقة أو تلك تعطي سلعاً ناضجة للاستهلاك أكثر. وهذا لم يعد ممكناً في الظروف المعقّدة على نحو لا يُقاس في اقتصادنا. وسيكون واضحاً للمجتمع الاشتراكي أيضاً من دون عناء أن 1000 هكتولتر من النبيذ أفضل من 800، ويمكنه من دون عناء أن يتّخذ القرار في ما إذا كان يفضّل 1000 هكتولتر من النبيذ على 500 هكتولتر من الزيت أم لا. ولا يحتاج تقرير هذا إلى حساب؛ فهنا تحسم إرادةُ الذوات الاقتصادية الفاعلة. لكن متى اتُّخِذ هذا القرار، عندئذ فقط تبدأ المهمة الفعلية للإدارة الاقتصادية الرشيدة: أن تضع الوسائل على نحو اقتصادي في خدمة الغايات. وهذا لا يمكن أن يحدث إلا بمساعدة الحساب الاقتصادي. فالعقل البشري لا يستطيع أن يهتدي في الوفرة المربكة من المنتجات الوسيطة وإمكانات الإنتاج، إن افتقر إلى هذا السند. إنه سيقف حائراً أمام كل مسائل الطريقة والموقع⁵.

إنه لوهمٌ أن يظنّ المرء أنه يستطيع أن يستعيض في الاقتصاد الاشتراكي عن الحساب النقدي بالحساب العيني. فالحساب العيني لا يستطيع في الاقتصاد الخالي من التبادل أن يشمل أبداً إلا السلع الناضجة للاستهلاك، وهو يخفق إخفاقاً تاماً مع جميع السلع من المراتب الأعلى. وما إن يتخلّى المرء عن التكوين الحرّ للأسعار النقدية للسلع من المراتب الأعلى، حتى يكون قد جعل الإنتاج الرشيد مستحيلاً من أصله. فكل خطوة تقودنا بعيداً عن الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وعن استعمال النقد، تقودنا كذلك بعيداً عن الاقتصاد الرشيد.

وقد أمكن إغفال هذا، لأن كل ما نراه من الاشتراكية متحقّقاً بالفعل من حولنا ليس إلا واحاتٍ اشتراكية في اقتصادٍ لا يزال على أي حال حرّاً إلى درجة معيّنة وقائماً على التعامل النقدي. وبهذا المعنى الواحد يمكن أن يُوافَق على ما يدّعيه الاشتراكيون، وهو ادّعاء واهٍ في ما عدا ذلك ولا يُدافَع عنه إلا لأسباب تحريضية، من أن تأميم المنشآت ونقلها إلى ملكية الدولة لا يمثّل بعدُ جزءاً من الاشتراكية، أي أن هذه المؤسسات تُسنَد في إدارة أعمالها بالكائن الاقتصادي المحيط بها القائم على التعامل الحرّ إسناداً بلغ من القوّة حدّاً جعل الخاصية الجوهرية للاقتصاد الاشتراكي عاجزة عن الظهور لديها أصلاً. ففي مؤسسات الدولة والبلديات تُنفَّذ تحسينات تقنية، لأنه يمكن ملاحظة أثرها في منشآت خاصة مماثلة في الداخل والخارج، ولأن الصناعة الخاصة، التي تُنتج وسائل هذه التحسينات، تعطي الدفعة إلى إدخالها. ويمكن في هذه المؤسسات تقرير منافع التعديلات، لأنها محاطة من كل جانب بمجتمع قائم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وعلى التعامل النقدي، بحيث تقدر على الحساب ومسك الدفاتر، وهو ما لن تستطيعه المؤسسات الاشتراكية في محيط اشتراكي خالص.

لا اقتصاد من دون حساب اقتصادي. وفي الجماعة الاشتراكية لا يمكن، ما دام إجراء الحساب الاقتصادي مستحيلاً، أن يوجد اقتصاد بالمعنى الذي نقصده على الإطلاق. وفي الصغائر وفي الجزئيات الثانوية قد يُتَصرَّف برشد فيما بعدُ أيضاً. لكن لا يمكن في العموم الحديث بعدُ عن إنتاج رشيد. إذ لن تكون ثمة وسيلة لمعرفة ما هو رشيد، وبذلك لا يمكن توجيه الإنتاج عن وعي نحو الكفاءة الاقتصادية. وما يعنيه ذلك، بصرف النظر تماماً حتى عن العواقب على إمداد الناس بالسلع، واضح. إن رشد الفعل يُزاح من المجال الذي تقع فيه ساحته الحقيقية. فهل سيبقى عندئذ من رشدٍ للفعل أصلاً، بل هل سيبقى من رشدٍ ومنطقٍ في التفكير أصلاً؟ لقد نشأت العقلانية البشرية تاريخياً من الاقتصاد. فهل ستقدر على البقاء أصلاً، حين تُزاح من هنا؟

قد تقدر ذكرى الخبرات المتراكمة في غضون آلاف السنين من الاقتصاد الحرّ، ردحاً من الزمن على أي حال، على كبح الانحطاط الكامل لفنّ الاقتصاد. وستُبقى طرائق الإجراء القديمة، لا لأنها رشيدة، بل لأنها تبدو مقدّسة بفعل التوارث. وستكون في تلك الأثناء قد صارت غير رشيدة، لأنها لم تعد تلائم الأوضاع الجديدة. وستطرأ عليها، عبر التراجع العام للتفكير الاقتصادي، تغيّراتٌ ستجعلها غير اقتصادية. صحيح أن الإمداد لن يجري بعدُ على نحو فوضوي. فأمرُ جهةٍ عليا سيهيمن على جميع الأفعال التي تخدم تلبية الحاجات. لكن مكان اقتصاد طريقة الإنتاج الفوضوية سيكون قد حلّ السلوك العديم المعنى لجهازٍ خالٍ من العقل. ستدور العجلات، لكنها ستدور فارغة.

ليتصوّر المرء حال الجماعة الاشتراكية. فهناك مئاتٌ وآلافٌ من الورش التي يُعمَل فيها. وأقلّها هي التي تنتج بضائع جاهزة للاستعمال؛ ففي معظمها تُنتَج وسائل إنتاج ومنتجات نصف مصنوعة. وكل هذه المؤسسات على اتصال بعضها ببعض. فكل سلعة اقتصادية تجوبها واحدة تلو الأخرى، حتى تغدو ناضجة للاستهلاك. لكن في الآلية الدؤوبة لهذه العملية تنعدم لدى الإدارة الاقتصادية كل إمكانية للاهتداء. فهي لا تستطيع أن تقرّر ما إذا كانت القطعة المشغولة لا تُعطَّل من دون لزوم في الطريق الذي يتعيّن عليها أن تجتازه، وما إذا كان لا يُبذَّر على إنجازها عملٌ ومادّة. فأي إمكانية تتاح لها لتعرف ما إذا كانت هذه الطريقة في الإنتاج أو تلك هي الأنفع؟ إنها تستطيع على أحسن تقدير أن تقارن جودة وكمية الناتج النهائي الناضج للاستهلاك من الإنتاج، لكنها لن تكون إلا في أندر الحالات في وضع يمكّنها من مقارنة الجهد المبذول في الإنتاج. إنها تعرف بدقّة ما هي الغايات التي ينبغي لإدارتها الاقتصادية أن تسعى إليها أو تظنّ أنها تعرفها، وعليها أن تتصرّف وفقاً لذلك، أي عليها أن تبلغ الغايات المنشودة بأقلّ جهد. وكي تجد الطريق الأرخص، عليها أن تحسب. وهذا الحساب لا يمكن طبعاً أن يكون إلا حساب قيمة؛ ومن البديهي تماماً ولا يحتاج إلى تعليل أوفى، أنه لا يمكن أن يكون تقنياً، ولا أن يُبنى على القيمة الاستعمالية الموضوعية (قيمة المنفعة) للسلع والخدمات.

في النظام الاقتصادي القائم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج يُجرى حساب القيمة من قِبَل جميع أعضاء المجتمع المستقلين. فكل امرئ يساهم في نشوئه على نحو مزدوج، مرّةً بوصفه مستهلكاً، ومرّةً أخرى بوصفه منتِجاً. فبوصفه مستهلكاً يحدّد ترتيب مراتب السلع الناضجة للاستعمال والاستهلاك؛ وبوصفه منتِجاً يجذب السلع من المراتب الأعلى إلى ذلك الاستخدام الذي تَعِد فيه بأعلى عائد. وبذلك تنال جميع السلع من المراتب الأعلى أيضاً ترتيب المراتب الذي يخصّها بحسب الحال الراهنة لعلاقات الإنتاج الاجتماعية والحاجات الاجتماعية. وعبر التفاعل بين عمليتي التقييم هاتين يُحرَص على أن يبلغ المبدأ الاقتصادي السيادة في كل مكان، في الاستهلاك كما في الإنتاج. فيتشكّل ذلك النظام الدقيق التدرّج من الأسعار، الذي يتيح لكل امرئ في كل لحظة أن يوائم بين حاجته الخاصة وحساب الكفاءة الاقتصادية.

وكل هذا منعدمٌ بالضرورة في الجماعة الاشتراكية. فقد تعرف الإدارة الاقتصادية بدقّة ما هي السلع التي تحتاجها بأشدّ إلحاح. لكنها بذلك لا تكون قد وجدت إلا الجزء الواحد مما يلزم للحساب الاقتصادي. أما الجزء الآخر، أي تقييم وسائل الإنتاج، فعليها أن تستغني عنه. إنها تقدر على تقرير القيمة التي تخصّ مجموع وسائل الإنتاج؛ وهي بالبداهة مساوية للقيمة التي تخصّ مجموع الحاجات المُلبّاة بها. وتقدر أيضاً على حساب مقدار قيمة وسيلة إنتاج مفردة، إذا حسبت دلالة النقص في تلبية الحاجة الناجم عن زوالها. لكنها لا تستطيع أن تُرجِعها إلى تعبير سعري موحّد، كما يقدر على ذلك الاقتصاد الحرّ، حيث يمكن إرجاع جميع الأسعار إلى تعبير مشترك بالنقد.

في الاقتصاد الاشتراكي، الذي وإن لم يكن يتعيّن عليه بالضرورة أن يلغي النقد إلغاءً تاماً، إلا أنه يجعل التعبير عن أسعار وسائل الإنتاج (بما فيها العمل) بالنقد مستحيلاً، لا يمكن للنقد أن يؤدي أي دور في الحساب الاقتصادي1.

لِنُفكِّر في إنشاء خط سكة حديدية جديد. هل ينبغي بناؤه أصلاً، وإذا كان كذلك، فأيُّ خطٍّ من بين عدة خطوط ممكنة ينبغي أن يُبنى؟ في اقتصاد التبادل الحر والاقتصاد النقدي، يستطيع المرء أن يضع الحساب بالنقود. فالخط الجديد سيُخفِّض كلفة نقل شحنات معينة من السلع، ويستطيع المرء عندئذٍ أن يحسب ما إذا كان هذا التخفيض كبيراً إلى درجة تفوق النفقات التي يتطلبها بناء الخط الجديد وتشغيله. ولا يمكن حساب ذلك إلا بالنقود. أما من خلال المقابلة بين نفقات عينية ووفورات عينية مختلفة الأنواع، فلا يستطيع المرء هنا أن يبلغ غايته. فإذا لم تكن لديه إمكانية ردِّ ساعات عمل من أعمال متفاوتة المهارة، والحديد والفحم ومواد البناء بأنواعها، والآلات وغيرها من الأشياء التي يتطلبها بناء السكك الحديدية وتشغيلها، إلى تعبير مشترك، فإنه عندئذٍ لا يستطيع إجراء الحساب. وتخطيط المسار اقتصادياً لا يكون ممكناً إلا إذا تمكَّن المرء من ردِّ جميع السلع التي تدخل في الاعتبار إلى النقود. صحيحٌ أنَّ الحساب النقدي تشوبه نواقصه وعيوبه الجسيمة، غير أنه ليس لدينا ما هو أفضل منه لنضعه مكانه؛ ولأغراض الحياة العملية يكفي الحساب النقدي القائم على نظام نقدي سليم على كل حال. فإذا تخلَّينا عنه، صار كل حساب اقتصادي مستحيلاً بكل بساطة.

والمجتمع الاشتراكي سيعرف بطبيعة الحال كيف يُدبِّر أمره. سيُصدر كلمة آمرة ويبتُّ مع المشروع المخطَّط له أو ضده. غير أنَّ هذا القرار سيُتَّخذ في أحسن الأحوال بناءً على تقديرات مبهمة؛ ولن يقوم أبداً على أساس حسابٍ قيميٍّ دقيق.

يستطيع الاقتصاد الساكن أن يستغني عن الحساب الاقتصادي. فهنا يتكرر في المجال الاقتصادي الشيء نفسه دائماً من جديد، وإذا افترضنا أنَّ التنظيم الأول للاقتصاد الاشتراكي الساكن يجري على أساس النتائج الأخيرة للاقتصاد الحر، فعندئذٍ قد يكون بمقدورنا على الأقل أن نتصوَّر إنتاجاً اشتراكياً مُداراً على نحوٍ عقلانيٍّ اقتصادياً. لكنَّ ذلك ممكنٌ في الفكر وحده. وبصرف النظر تماماً عن أنَّ الاقتصاد الساكن لا يمكن أن يوجد قط في الحياة، لأنَّ المعطيات تتغير باستمرار، بحيث إنَّ سكون الاقتصاد ليس إلا افتراضاً فكرياً — وإن كان افتراضاً ضرورياً لتفكيرنا ولتكوين معرفتنا بالشأن الاقتصادي — لا يقابله في الحياة أيُّ وضع، فإنه يتعيَّن علينا مع ذلك أن نفترض أنَّ الانتقال إلى الاشتراكية يُغيِّر كلَّ المعطيات تغييراً جذرياً — وذلك بالفعل نتيجةً لمعادلة الفوارق في الدخل وما تستلزمه من تحولات في الاستهلاك ومن ثمَّ في الإنتاج أيضاً — إلى درجة يستحيل معها الارتباط بالحالة الأخيرة للاقتصاد الحر. وعندئذٍ يكون أمامنا نظامٌ اقتصاديٌّ اشتراكيٌّ يُبحر في محيط التوليفات الاقتصادية الممكنة والمتصورة دونما بوصلةِ الحساب الاقتصادي.

وهكذا يغدو كلُّ تغيُّرٍ اقتصاديٍّ في المجتمع الاشتراكي مشروعاً لا يمكن تقدير نجاحه مسبقاً ولا التأكد منه لاحقاً بالنظر إلى الوراء. كل شيء هنا يتلمَّس طريقه في الظلام. الاشتراكية إلغاءٌ لعقلانية الاقتصاد.

في كل مشروع كبير، تتمتع المنشآت أو أقسام المنشآت المفردة في المحاسبة باستقلالية إلى درجة معينة. فهي تحتسب فيما بينها المواد والعمل تبادلياً، ومن الممكن في أيِّ وقت وضع ميزانية خاصة لكل مجموعة على حدة والإحاطة حسابياً بالنتائج الاقتصادية لنشاطها. وبهذه الطريقة يستطيع المرء أن يُحدِّد بأيِّ نجاح عمل كلُّ قسمٍ على حدة، ثم يتخذ بناءً على ذلك قرارات بشأن إعادة تشكيل المجموعات القائمة أو تقليصها أو إلغائها أو توسيعها، وبشأن إنشاء مجموعات جديدة. وثمة أخطاء معينة لا مفرَّ منها بطبيعة الحال في مثل هذه الحسابات. وهي تنشأ في جزء منها عن الصعوبات التي تنجم عند توزيع النفقات العامة. وتنشأ أخطاء أخرى عن ضرورة الحساب في بعض النواحي بمعطيات لا يمكن تحديدها بدقة، كأن يحسب المرء — عند تحديد ربحية أسلوبٍ ما — استهلاك الآلات المستخدمة بافتراض مدةٍ معينةٍ لصلاحيتها للاستعمال. غير أنَّ كل هذه الأخطاء يمكن إبقاؤها ضمن حدودٍ ضيقةٍ معينة، بحيث لا تُخلُّ بالنتيجة الإجمالية للحساب. وما يتبقى من عدم يقين يقع على حساب عدم يقين الأوضاع المستقبلية، وهو أمرٌ معطىً بالضرورة في الحالة الديناميكية للاقتصاد القومي.

يبدو الآن أنه من القريب المتناوَل أن يحاول المرء على نحوٍ مماثلٍ في المجتمع الاشتراكي أيضاً اعتماد محاسبةٍ مستقلةٍ لمجموعات الإنتاج المفردة. غير أنَّ ذلك مستحيلٌ كلَّ الاستحالة. فتلك المحاسبة المستقلة لفروع المشروع الواحد بعينه تقوم حصرياً على أنه — في تبادل السوق — تتكون لجميع أنواع السلع والأعمال المستخدمة أسعارٌ سوقية يمكن اتخاذها أساساً للحساب. وحيث ينعدم تبادل السوق الحر، لا يوجد تكوينٌ للأسعار؛ ودون تكوين الأسعار لا يوجد حسابٌ اقتصادي.

قد يخطر للمرء أن يُجيز التبادل بين مجموعات المنشآت المفردة، ليبلغ بهذه الطريقة تكوينَ نسبِ تبادلٍ (أسعار)، فيُهيِّئ بذلك أساساً للحساب الاقتصادي في المجتمع الاشتراكي أيضاً. فيُؤسِّس المرء في إطار الاقتصاد الموحَّد، الذي لا يعرف ملكية خاصة لوسائل الإنتاج، مجموعاتِ العمل المفردة بوصفها جهاتٍ مستقلةً ذات حق تصرُّف، عليها وإن وجب أن تتصرف وفق توجيهات الإدارة الاقتصادية العليا، فإنها لا تُحوِّل بعضها لبعض السلعَ العينية والخدماتِ العملية إلا لقاء مقابلٍ يُؤدَّى بوسيط تبادلٍ عام. هكذا تقريباً يتصوَّر المرء على الأرجح تنظيم الإنتاج في المنشأة الاشتراكية، حين يتحدث اليوم عن التأميم الكامل وما شابهه. لكنَّ المرء يصطدم هنا من جديد بالنقطة الحاسمة دون أن يتجاوزها. فنِسَب تبادل السلع الإنتاجية لا يمكن أن تتكوَّن إلا على أرضية الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج. فإذا سلَّمت «جماعة الفحم» الفحمَ إلى «جماعة الحديد»، فلا يمكن أن يتكوَّن سعرٌ، إلا إذا كانت الجماعتان كلتاهما مالكتَين لوسائل الإنتاج في منشأتيهما. غير أنَّ ذلك لن يكون تأميماً، بل رأسماليةً عُمَّاليةً ونقابيةً (سنديكالية).

أما بالنسبة للمُنظِّر الاشتراكي القائم على أرضية نظرية القيمة العمالية، فالأمر بسيطٌ جداً بطبيعة الحال. «ما إنْ يضع المجتمع يده على وسائل الإنتاج ويستخدمها في الإنتاج في تشريكٍ مباشر، حتى يصبح عملُ كلِّ فردٍ — مهما اختلف طابعه النافع النوعي — عملاً اجتماعياً منذ البداية ومباشرةً. وعندئذٍ لا تحتاج كمية العمل الاجتماعي الكامنة في منتَجٍ ما إلى أن تُحدَّد أولاً بطريق ملتوٍ؛ فالخبرة اليومية تُبيِّن مباشرةً كم يلزم منها في المتوسط. ويستطيع المجتمع ببساطة أن يحسب كم ساعةَ عملٍ تكمن في آلةٍ بخارية، أو في هكتولترٍ من قمح آخر حصاد، أو في مئة مترٍ مربعٍ من قماشٍ ذي جودةٍ معينة. ... وعلى كل حال، سيتعيَّن على المجتمع عندئذٍ أيضاً أن يعرف كم عملاً يتطلب كلُّ غرضٍ استعمالي لصنعه. وسيكون عليه أن يُنظِّم خطة الإنتاج وفق وسائل الإنتاج، التي تنتمي إليها بصفةٍ خاصةٍ أيضاً قوى العمل. والآثار النفعية للأغراض الاستعمالية المختلفة، إذ توزَن بعضها ببعض وإزاء كميات العمل اللازمة لصنعها، هي التي ستُحدِّد الخطة في نهاية المطاف. فالناس يُنجزون كل شيء على نحوٍ بسيطٍ جداً دون تدخُّلٍ من تلك ‹القيمة› الذائعة الصيت»⁷.

ليس من مهمتنا هنا أن نعرض من جديد الاعتراضات النقدية على نظرية القيمة العمالية. فهي لا يمكن أن تعنينا في هذا السياق إلا بالقدر الذي تكون فيه ذات أهميةٍ للحكم على صلاحية العمل لأجل الحساب القيمي في مجتمعٍ اشتراكي.

يأخذ الحساب العمالي في الظاهر الأول بالحسبان أيضاً شروطَ الإنتاج الطبيعية الكائنة خارج الإنسان. ففي مفهوم زمن العمل المتوسط اللازم اجتماعياً يُؤخذ بالحسبان أصلاً قانون تناقص الغلَّة بالقدر الذي يصبح فيه فاعلاً بسبب اختلاف الشروط الطبيعية للإنتاج. فإذا ارتفع الطلب على سلعةٍ ما، واضطُرَّ المرء بالتالي إلى استثمار شروط إنتاجٍ طبيعيةٍ أسوأ، ارتفع كذلك زمن العمل الاجتماعي اللازم في المتوسط لإنتاج وحدةٍ واحدة. وإذا نجح المرء في العثور على شروط إنتاجٍ طبيعيةٍ أكثر مواتاةً، انخفضت كمية العمل اللازمة اجتماعياً⁸. غير أنَّ هذا الأخذ بالشروط الطبيعية للإنتاج لا يمتد بالضبط إلا بقدر ما يُعبِّر عن نفسه في تغيراتٍ في كمية العمل اللازمة اجتماعياً. وفيما عدا ذلك يَخذُل الحساب العمالي. فهو يُغفل تماماً استهلاك عوامل الإنتاج المادية. لِنفترض أنَّ زمن العمل اللازم اجتماعياً لإنتاج السلعتين P وQ يبلغ عشر ساعاتٍ لكلٍّ منهما. ولِنفترض أنه يلزم لإنتاج وحدةٍ من P وكذلك وحدةٍ من Q — إلى جانب العمل — أيضاً المادةُ a، التي تُنتَج وحدةٌ منها في ساعةٍ من العمل اللازم اجتماعياً، وأنَّ المرء يحتاج لإنتاج P إلى وحدتين من a وإلى تسع ساعات عملٍ علاوةً على ذلك، وأنه يحتاج لإنتاج Q إلى وحدةٍ واحدة من a وإلى تسع ساعات عملٍ علاوةً على ذلك. في الحساب العمالي تظهر P وQ بوصفهما مُتكافئتين، أما في الحساب القيمي فينبغي أن تُقيَّم P أعلى من Q. ذلك الحساب خاطئ، وهذا وحده يطابق جوهر الحساب وغايته. صحيحٌ أنَّ هذه الزيادة، التي يضع بها الحسابُ القيمي P أعلى من Q، أي هذا السندَ المادي، «موجودٌ من الطبيعة دون تدخُّلٍ من الإنسان»⁹. غير أنه إذا كان موجوداً بكميةٍ تجعله موضوعاً للتدبير الاقتصادي، فلا بد أن يدخل أيضاً بشكلٍ ما في الحساب القيمي.

النقص الثاني في الحساب العمالي هو إغفاله للجودة المختلفة للعمل. فبالنسبة لـ Marx يكون كلُّ عملٍ إنسانيٍّ من نوعٍ واحدٍ اقتصادياً، لأنه دائماً «إنفاقٌ منتِجٌ للدماغ والعضل والعصب واليد البشرية وما إلى ذلك». «والعمل المركَّب لا يُحسَب إلا بوصفه عملاً بسيطاً مُكثَّفاً أو بالأحرى مُضاعَفاً، بحيث إنَّ كميةً أصغر من العمل المركَّب تساوي كميةً أكبر من العمل البسيط. وأنَّ هذا الردَّ يجري باستمرار، تُبيِّنه الخبرة. فقد تكون السلعة منتَجَ أكثر الأعمال تركيباً، إلا أنَّ قيمتها تجعلها مساويةً لمنتَج العمل البسيط، ومن ثمَّ لا تمثِّل هي نفسها إلا كميةً معينةً من العمل البسيط»¹⁰. ولا يجانب Böhm-Bawerk الصواب حين يصف هذا الاستدلال بأنه «حِيلةٌ نظريةٌ بساطتُها مُدهشة»¹¹. ويمكن للمرء، عند الحكم على ادعاء Marx، أن يُبقي مسألةَ ما إذا كان من الممكن إيجاد مقياسٍ فيزيولوجيٍّ موحَّدٍ لكل عملٍ إنساني — الجسدي منه وكذلك ما يُسمَّى الفكري — معلَّقةً عن حق. إذ إنَّ الثابت هو أنَّ بين البشر أنفسهم اختلافاتٍ في القدرات والمهارات، تستتبع أنَّ لمنتجات العمل وأدائه جودةً مختلفة. والأمر الذي ينبغي أن يكون حاسماً للبتِّ في مسألة ما إذا كان الحساب العمالي صالحاً بوصفه حساباً اقتصادياً، هو ما إذا كان من الممكن ردُّ أعمالٍ مختلفة الأنواع إلى مقامٍ موحَّدٍ دون الحلقة الوسيطة المتمثلة في تقييم الذوات المُدبِّرة اقتصادياً لمنتجاتها. والبرهان الذي يسعى Marx إلى إقامته على ذلك قد أخفق. صحيحٌ أنَّ الخبرة تُبيِّن أنَّ السلع تُوضَع في نسبِ تبادلٍ بصرف النظر عمَّا إذا كانت منتجاتِ عملٍ بسيطٍ أو مركَّب. غير أنَّ هذا لن يكون برهاناً على أنَّ كمياتٍ معينةً من العمل البسيط تُساوى مباشرةً بكمياتٍ معينةٍ من العمل المركَّب، إلا إذا كان مُسلَّماً به أنَّ العمل هو مصدر القيمة التبادلية. غير أنَّ ذلك ليس فقط غير مُسلَّمٍ به، بل هو بالضبط ما يريد Marx بتلك الإيضاحات أن يبرهنه أولاً.

وكوْنُ نسبةِ إحلالٍ بين العمل البسيط والمركَّب قد تكوَّنت في معدل الأجر ضمن التبادل التجاري — وهو ما لا يُلمِّح إليه Marx في ذلك الموضع — ليس هو الآخر برهاناً على هذا التماثل. فهذه المساواة هي في الواقع نتيجةٌ لتبادل السوق، لا شرطُه المسبق. وكان على الحساب العمالي أن يُحدِّد نسبةً اعتباطيةً لإحلال العمل البسيط محلَّ العمل المركَّب، وهو ما يُخرجه من دائرة الصلاحية لإدارة الاقتصاد.

لطالما اعتُقد أن نظرية قيمة العمل ضرورية للاشتراكية لتقديم تبرير أخلاقي للمطالبة بتأميم وسائل الإنتاج. ونحن نعلم اليوم أن هذا خطأ. وحتى لو أن غالبية أنصارها الاشتراكيين قد استخدموها على هذا النحو، وحتى لو أن Marx نفسه لم يتمكن من البقاء بريئًا تمامًا من هذه الزلّة، وإن كان من حيث المبدأ يتبنّى موقفًا آخر، فمن الواضح مع ذلك أن المطلب السياسي بإدخال نمط الإنتاج الاشتراكي، من جهة، لا يحتاج إلى دعم من نظرية قيمة العمل، ولا يمكنه أن يتلقى دعمًا من هذا المذهب، وأن أولئك الذين يتبنّون، من جهة أخرى، تصورًا آخر عن جوهر القيمة الاقتصادية وأصلها، يمكن أن يكونوا اشتراكيين في القناعة. غير أن نظرية قيمة العمل، بمعنى آخر يختلف عمّا يُفهم عادةً، تشكّل ضرورة داخلية لأولئك الذين يؤيدون نمط الإنتاج الاشتراكي. فالإنتاج الاشتراكي على نطاق واسع لا يمكن أن يبدو قابلًا للتنفيذ على نحو عقلاني إلا إذا وُجد مقدار قيمي يمكن إدراكه موضوعيًا، يتيح الحساب الاقتصادي حتى في اقتصادٍ خالٍ من التبادل والنقود. وكمقدار من هذا القبيل لا يمكن، من الناحية النظرية، أن يأتي في الاعتبار سوى العمل.

Chapter IV.

المسؤولية والمبادرة في المنشأة المُدارة جماعيًا

يرتبط مشكل المسؤولية والمبادرة في المنشأة المُدارة جماعيًا ارتباطًا وثيقًا بمشكل الحساب الاقتصادي. وأصبح من المعترف به الآن على نطاق واسع أن «إقصاء المبادرة الحرة والاستعداد الفردي لتحمّل المسؤولية، اللذين تقوم عليهما نجاحات الإدارة الخاصة» يشكّل أخطر تهديد للمنظمات المُدارة جماعيًا¹².

يتجاوز معظم الاشتراكيين هذا المشكل بالصمت. ويظن آخرون أنهم قادرون على تسويته بالإشارة إلى مديري الشركات المساهمة. فهؤلاء، كما يقولون، ليسوا أيضًا مالكين لوسائل الإنتاج، ومع ذلك ازدهرت المشاريع تحت إدارتهم. وإذا حلّ المجتمع محل المساهمين في ملكية وسائل الإنتاج، فلن يتغير شيء. فالمديرون لن يعملوا للمجتمع على نحو أسوأ مما يعملون لحساب المساهمين.

علينا أن نميّز بين مجموعتين من الشركات المساهمة والمشاريع المماثلة. ففي إحداهما، وهي في الغالب الشركات الأصغر فحسب، يكون عدد قليل من الأشخاص، الذين كثيرًا ما يكونون ورثة مؤسس المشروع، وكثيرًا ما يكونون أيضًا منافسين سابقين اتحدوا الآن، مرتبطين في الشكل القانوني للشركة المساهمة بغرض النشاط الاقتصادي المشترك. وتكون الإدارة الفعلية وتسيير الأعمال هنا في أيدي المساهمين أنفسهم، أو على الأقل في أيدي جزء من المساهمين، الذين يسيّرون الأعمال لمصلحتهم الخاصة ولمصلحة المساهمين المقرّبين منهم بصلة القرابة، من نساءٍ وقُصّرٍ ونحو ذلك. وهم يمارسون بأنفسهم التأثير الحاسم على سير الأعمال بوصفهم أعضاءً في مجلس الإدارة أو في مجلس الرقابة، أو بوصفهم مديرين، وأحيانًا أيضًا في مناصب متواضعة من الناحية القانونية. ولا يغيّر من ذلك شيئًا أن يكون جزء من رأس مال الأسهم أحيانًا في أيدي اتحادٍ مالي أو مصرف. وهنا لا تختلف الشركة المساهمة عن شركة التضامن المفتوحة إلا من حيث الشكل القانوني في الواقع.

أما في الشركات المساهمة الكبرى فالأمر مختلف. فهنا لا يشارك في الإدارة الفعلية للمشروع إلا جزء من المساهمين، أي كبار المساهمين. وهؤلاء لهم في القاعدة المصلحة نفسها في ازدهار المشروع التي لكل مالك. ولكن قد يحدث أن تكون لهم مصالح أخرى غير مصالح الجمهور الكبير من صغار المساهمين، الذين يُقصَون من الإدارة حتى لو امتلكوا أغلبية رأس مال الأسهم. وعندئذ يمكن أن تنشأ تصادمات حادة، إذا ما أُديرت أعمال المشروع لمصلحة المديرين على نحو يلحق الضرر بالمساهمين. ولكن أيًا كان الأمر، فمن الواضح أن أصحاب السلطة الفعليين في الشركات يديرون الأعمال لمصلحتهم الخاصة، سواء توافقت هذه المصلحة مع مصلحة المساهمين أو لم تتوافق. وبالنسبة إلى المدير الرصين لشركة مساهمة، الذي لا يريد مجرد تحقيق ربح عابر، يكون من المفيد له على المدى الطويل وبصفة عامة أن يمثّل دائمًا مصلحة المساهمين فحسب وأن يمتنع عن المناورات التي قد تضرّهم. وينطبق هذا في المقام الأول على المصارف والمجموعات المالية، التي لا تريد أن تخاطر بائتمان الإصدار الذي تتمتع به لدى الجمهور. فليست الدوافع الأخلاقية وحدها هي الحاسمة إذن حين تزدهر الشركات المساهمة.

يتغيّر كل هذا حين يُؤمَّم مشروع ما. فمع إقصاء المصالح المادية للأفراد تختفي القوة المحرّكة، وإذا ما ازدهرت المشاريع الحكومية والبلدية اقتصاديًا أصلًا، فإنها تدين بذلك إلى نقل تجهيزاتٍ من المشاريع الخاصة، أو إلى أنها تُدفَع مرارًا إلى الإصلاحات والتجديدات من قِبَل أصحاب المشاريع الذين تشتري منهم وسائل الإنتاج والمواد الخام.

أما أن المشاريع المُدارة جماعيًا لا يصدر عنها أي حافز للإصلاحات وتحسينات الإنتاج، وأنها عاجزة عن التكيّف مع الأوضاع المتغيرة للحاجة، وأنها، باختصار، تمثّل عضوًا ميتًا في كائن الاقتصاد الوطني، فهذا أمر مُعترف به الآن على نطاق واسع، إذ صرنا في وضعٍ يتيح لنا النظر إلى عقودٍ من تجارب الاشتراكية الحكومية والبلدية. وقد ظلّت كل محاولات بثّ الحياة فيها عبثًا حتى الآن. فقد ظُنّ أن بلوغ ذلك ممكن عبر إصلاحاتٍ في الأجور. وأُريد إشراك مديري هذه المشاريع في العائد، واعتُقد أنه بذلك سيُجعلون في مرتبة مديري الشركات المساهمة الكبرى. وهذا خطأ كبير. فمديرو الشركات المساهمة الكبرى مرتبطون بمصالح المشاريع التي يديرونها على نحوٍ مختلف تمامًا عمّا يمكن أن يكون عليه الحال أبدًا في المنشآت العامة. فهم إما يمتلكون بالفعل جزءًا غير يسير من رأس مال الأسهم، وإما يأملون أن يصبحوا كذلك مع مرور الوقت. وهم فضلًا عن ذلك في وضعٍ يتيح لهم تحقيق ربح من خلال المضاربة في البورصة على قيم مشروعهم. ولهم احتمال أن يورّثوا منصبهم، أو على الأقل أن يؤمّنوا لورثتهم جزءًا من نفوذهم الخاص. وليس المدير العام المرتاح، الذي يشبه إلى حدٍّ ما الموظف العام في طريقة تفكيره وإحساسه، هو النموذج الذي تدين له المشاريع المُدارة بشكل الأسهم بنجاحاتها، بل بالأحرى المدير المهتم بحكم ملكيته للأسهم، والمروّج والمحرّك (faiseur)، أي تحديدًا أولئك الذين يكون إقصاؤهم هدف كل إجراءات التأميم وجعل الملكية عامة.

ليس من الاتساق المنطقي بالمعنى الاشتراكي أصلًا أن يُلجأ إلى مثل هذه الوسائل الترقيعية لتأمين ازدهار نظامٍ اقتصادي قائم على أساس اشتراكي. فالاشتراكية كلها، حتى اشتراكية Karl Marx وأتباعه الأرثوذكس، تنطلق من تصوّر مفاده أنه لن يكون ممكنًا أصلًا أن ينشأ في المجتمع الاشتراكي تعارض بين مصالح الأفراد ومصالح المجموع. فكل فرد، كما يقولون، سيجتهد لتقديم أفضل ما عنده، حتى وإن كان ذلك لمصلحته الخاصة، لأنه شريك أيضًا في عائد النشاط الاقتصادي بأكمله. أما الاعتراض الذي يتبادر إلى الذهن، وهو أن ما إذا كان الفرد نفسه مجِدًّا ومجتهدًا لا يكاد يكون له وزن يُذكر بالنسبة إليه، وأن الأهم بالنسبة إليه هو أن يكون الآخرون جميعًا كذلك، فإما أنهم لا يأخذونه في الاعتبار البتة، وإما أنهم يأخذونه على نحوٍ غير كافٍ. وهم يعتقدون أن في وسعهم بناء المجتمع الاشتراكي على الأمر القطعي (kategorischer Imperativ) وحده. وأبلغ ما يبيّن كم اعتادوا أن يستسهلوا الأمر في ذلك هو Kautsky، الذي يطرح المقولة الآتية: «إذا كانت الاشتراكية ضرورة اجتماعية، فعندئذ، لو دخلت في تعارض مع طبيعة الإنسان، لكانت هذه هي التي تخرج خاسرة، لا الاشتراكية»2. وهذا طوباوية خالصة.

ولكن لنفترض حتى الحالة التي تتحقق فيها فعلًا هذه التوقعات الطوباوية للاشتراكيين، وأن كل فرد في المجتمع الاشتراكي سيجتهد ليكون نشطًا بحماسةٍ لا تقلّ عن حماسته اليوم حيث يكون تحت ضغط المنافسة الحرة؛ عندئذ يبقى المشكل الذي يتعيّن حلّه أولًا، وهو بأي شيء سيُقاس في المجتمع الاشتراكي، الذي لن يعرف حسابًا اقتصاديًا، نجاحُ النشاط الاقتصادي. فمن لا يستطيع أن يتبيّن مدى الاقتصادية، لا يستطيع أن يتصرف اقتصاديًا.

ثمة شعار شائع يرى أنه ينبغي في المنشآت المُدارة جماعيًا أن يُفكَّر تفكيرًا أقل بيروقراطية وأكثر تجاريًا، وعندئذ ستعمل تمامًا باقتصادية مشاريع القطاع الخاص. وينبغي، كما يقولون، أن تُشغَل المناصب القيادية بتجّار، وعندئذ سينمو العائد على الفور. غير أن «الطابع التجاري» ليس البتة شيئًا خارجيًا يمكن نقله كيفما اتُّفق. فالكفاءة التجارية ليست صفة في شخص تقوم على موهبة فطرية، أو تُكتسب عبر دراساتٍ في مدرسة تجارية، أو عبر العمل في بيتٍ تجاري، أو عبر أن يكون المرء نفسه قد كان صاحب مشروع لبعض الوقت. فالتفكير والعمل التجاريان لدى صاحب المشروع ينبعان من موقعه في العملية الاقتصادية، ويُفقَدان بفقدان هذا الموقع. وإذا عُيّن صاحب مشروع ناجح مديرًا لمنشأة مُدارة جماعيًا، فقد يحمل معه خبرات معينة من منصبه السابق ويستطيع لبعض الوقت أن يستثمرها على سبيل الروتين. ولكنه بدخوله في النشاط المُدار جماعيًا يكفّ عن أن يكون تاجرًا ويصبح بيروقراطيًا كأي موظفٍ آخر في الخدمة العامة. فليست معرفة مسك الدفاتر وتنظيم المنشأة وأسلوب المراسلات التجارية، ولا التخرّج من معهدٍ عالٍ للتجارة، هي ما يصنع التاجر، بل موقعه المميّز في عملية الإنتاج، وهو الموقع الذي يجعل مصلحة المشروع تتطابق مع مصالحه الخاصة. ولذلك فليس حلًّا للمشكل أن يقترح Otto Bauer في كتابه المنشور حديثًا أن يُسمَّى مديرو المصرف المركزي الوطني، الذي يُراد أن تُسنَد إليه القيادة في العملية الاقتصادية، من قِبَل هيئةٍ يكون من بين أعضائها أيضًا ممثلون عن الهيئة التدريسية للمعاهد العليا للتجارة¹⁴. فالمديرون المعيَّنون على هذا النحو قد يكونون الأحكم والأفضل كفلاسفة Plato، ولكنهم لا يمكن أبدًا أن يكونوا تجّارًا في مناصبهم بوصفهم مديري مجتمعٍ اشتراكي، حتى وإن كانوا كذلك من قبل.

الشكوى عامة من أن قيادات المشاريع المُدارة جماعيًا تفتقر إلى المبادرة. ويُعتقد أن في الإمكان معالجة ذلك بتغييراتٍ في التنظيم. وهذا أيضًا خطأ جسيم. فلا يمكن في منشأةٍ مُدارة جماعيًا أن تُوضَع القيادة كليًا في يد رجلٍ واحد، لأنه لا بد من التخوّف من أن يرتكب أخطاءً تُلحق بالمجتمع ضررًا فادحًا. ولكن إذا ما جُعلت القرارات الحاسمة متوقفة على تصويتاتٍ في هيئات أو على موافقة جهاتٍ أعلى، فإن مبادرة الأفراد عندئذ تُحاصَر بالحدود. فالهيئات نادرًا ما تكون ميّالة إلى إدخال تجديداتٍ جريئة. وغياب المبادرة الحرة في المنشأة العامة لا يقوم على عيوبٍ في التنظيم؛ بل هو متأصّل في جوهر هذه المنشأة. فلا يجوز أن تُسنَد إلى موظف، مهما علا منصبه، حرية التصرف في وسائل الإنتاج، بل يقلّ جواز ذلك كلما زاد إشراكه ماديًا في حسن مآل نشاطه. ذلك أنه عن الخسائر لا يمكن عمليًا محاسبة المدير عديم الثروة إلا على نحوٍ أخلاقي دائمًا. فلن يقابِل فرصة الربح المادية إذن سوى فرص خسارة أخلاقية. أما المالك فيتحمّل المسؤولية بنفسه، لأنه هو من يلمس في الصف الأول الضرر الناجم عن المشاريع التي تفشل. وفي هذا تحديدًا يكمن الفرق المميِّز بين نمط الإنتاج الليبرالي والنمط الاشتراكي.

Chapter V.

أحدث المذاهب الاشتراكية ومشكل الحساب الاقتصادي

منذ أن مكّنت الأحداث الأخيرة في روسيا والمجر وألمانيا والنمسا أحزابًا اشتراكية من الوصول إلى السلطة، وقرّبت بذلك تنفيذ البرنامج الاشتراكي لجعل الملكية عامة إلى المدى المباشر، بدأ الكتّاب الماركسيون أيضًا في الانكباب عن قرب على مشكلات تنظيم المجتمع الاشتراكي. ولكنهم حتى الآن لا يزالون يتجنّبون المسائل الجوهرية بحذر، تاركين للـ«طوباويين» المحتقَرين أمر الانشغال بها. وهم أنفسهم يؤثرون الاقتصار على ما ينبغي عمله بادئ ذي بدء؛ فهم لا يأتون إلا ببرامج عن الطريق إلى الاشتراكية، لا عن الاشتراكية نفسها. ولا يسعنا أن نتبيّن من كل هذه الكتابات سوى أمرٍ واحد، هو أن المشكل الكبير للحساب الاقتصادي في الدولة الاشتراكية لم يبلغ وعيهم بأي حال.

يبدو لـ Otto Bauer أنّ تأميم المصارف هو الخطوة الأخيرة والحاسمة لتنفيذ البرنامج الاشتراكي للتشريك. فإذا ما أُمّمت جميع المصارف وانصهرت في مصرف مركزي واحد، فإنّ مجلس إدارته يصبح حينئذٍ »السلطة الاقتصادية العليا، الجهاز التوجيهي الأعلى للاقتصاد الوطني بأكمله. وبتأميم المصارف وحده يكتسب المجتمع القدرة على توجيه عمله وفق خطة، وعلى توزيعه وفق خطة على فروع الإنتاج المنفردة، وعلى مواءمته وفق خطة مع حاجات الشعب«¹⁵. أمّا عن النظام النقدي الذي ينبغي أن يسود في الكيان الاشتراكي بعد تنفيذ تأميم المصارف، فلا يأتي Bauer على ذكره. وهو، أُسوةً بسائر الماركسيين، يسعى إلى أن يُبيّن كم هو بسيط وبديهي أن ينبثق النظام الاجتماعي الاشتراكي المقبل من أوضاع الرأسمالية المتطورة. »يكفي أن تُنقل السلطة التي يمارسها اليوم مساهمو المصارف من خلال مجالس الإدارة التي ينتخبونها إلى ممثّلي مجموع الشعب«¹⁶، حتى يجري تشريك المصارف، وبذلك يوضع حجر الزاوية لصرح الاشتراكية. غير أنّ Bauer يترك قرّاءه في غموض تامّ إزاء أنّ ماهية المصارف تتغيّر تماماً بفعل التأميم والانصهار في مصرف مركزي واحد. فمتى ذابت جميع المصارف في مصرف واحد، تحوّلت ماهيتها تحوّلاً جذرياً؛ إذ تغدو حينئذٍ في وُسعها أن تُصدر وسائل التداول من دون أيّ قيد. وبذلك يزول من تلقاء نفسه النظام النقدي كما هو قائم اليوم¹⁷. وإذا ما جرى فوق ذلك تأميم المصرف المركزي الوحيد في كيانٍ أصلاً اشتراكيٍّ كلّياً في كلّ شأنٍ آخر، فإنّ التعامل السوقي يُلغى وكلّ تبادلٍ يُبطَل. عندئذٍ يكفّ المصرف عن كونه مصرفاً، وتنطفئ وظائفه النوعية، لأنّه لم يعد له في مثل هذا المجتمع أيّ موضعٍ على الإطلاق. وقد يُحتفظ باسم المصرف، وقد تُسمّى الإدارة الاقتصادية العليا للكيان الاشتراكي إدارة المصرف، وقد تتّخذ مقرّها في بناءٍ كان من قبلُ يشغله مصرف. لكنّها حينئذٍ لم تعد مصرفاً، فهي لا تؤدّي أيّاً من تلك الوظائف التي تؤدّيها المصارف في النظام الاقتصادي القائم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وعلى استعمال وسيطٍ عامٍّ للتبادل، أي النقد. فهي لم تعد تمنح ائتماناً، لأنّه لا يمكن بداهةً أن يوجد ائتمانٌ في الكيان الاشتراكي. ولا يقول Bauer نفسه ما هو المصرف، لكنّه يستهلّ في كتابه الفصل المتعلق بتأميم المصارف بالجُمل التالية: »جميع رؤوس الأموال المتاحة ... تتدفّق متجمّعةً لدى المصارف«¹⁸. أفلم يكن عليه، بوصفه ماركسياً، أن يطرح على نفسه السؤال عمّا سيكون عليه نشاط المصارف بعد إلغاء علاقة رأس المال؟

يقع في غموضٍ مماثل سائر الكتّاب الذين يتناولون مشكلات تنظيم الكيان الاشتراكي. فهم لا يرون أنّ إلغاء التبادل وتكوين الأسعار في السوق يُزيل أُسس الحساب الاقتصادي، وأنّه ينبغي أن يُوضع شيءٌ آخر مكانها إن لم يكن المراد أن يُلغى كلّ اقتصادٍ ويحلّ فوضى تامّة. ويُظنّ أنّ المؤسسات الاشتراكية يمكن أن تنبثق من دون عناءٍ من مؤسسات الاقتصاد الرأسمالي الخاص. وهذا غير صحيحٍ في أيّ حال. بل يبلغ الأمر حدّ الغرابة الصارخة حين يُتحدَّث عن مصارفَ وإدارة مصرفٍ ونحو ذلك في الكيان الاشتراكي.

أمّا الإشارة إلى الأوضاع التي تكوّنت في روسيا الكبرى وهنغاريا في ظلّ حكم السوفييتات، فلا تدلّ على شيءٍ البتّة. فما نراه هناك ليس سوى صورة تدمير نظامٍ قائمٍ للإنتاج الاجتماعي، يحلّ محلّه الاقتصاد المنزلي الفلّاحي المنغلق. فجميع فروع الإنتاج القائمة على تقسيم العمل الاجتماعي في حال انحلالٍ تامّ. وما يجري في ظلّ حكم Lenin وTrotzki ليس سوى هدمٍ وتدمير. أمّا مسألة ما إذا كانت الاشتراكية لا بدّ أن تجرّ وراءها هذه العواقب بالضرورة، كما يرى الليبراليون، أو ما إذا كان ذلك مجرّد نتيجةٍ لكون الجمهورية السوفييتية تتعرّض لهجوم الخارج، كما يزعم الاشتراكيون، فهي مسألة لا تعنينا هنا. وكلّ ما ينبغي إثباته هو أنّ الكيان الاشتراكي لحكم المجالس لم يمسّ مشكلة الحساب الاقتصادي على الإطلاق، ولم يكن لديه أيضاً ما يدعوه إلى مسّها. ذلك أنّه حيث ما زال يُنتَج للسوق في روسيا السوفييتية رغم كلّ محظورات الحكومة، يُحسَب أيضاً بالنقد، لأنّ هناك ما زالت توجد ملكية خاصة لوسائل الإنتاج وتُباع السلع لقاء النقد. ولا تستطيع الحكومة نفسها أن تتملّص من ذلك، بل إنّها تؤكّد، بزيادتها هي بذاتها كمية النقد المتداول، ضرورةَ الإبقاء على النظام النقدي في الأقلّ خلال فترة الانتقال.

وخير ما يُبيّن أنّ جوهر المشكلة المطروحة لم يبرز بعدُ إلى العيان بوضوحٍ في الدولة السوفييتية هو ما عرضه Lenin في كتابه عن »المهامّ القادمة للسلطة السوفييتية«. ففي مقولات الدكتاتور تتكرّر دوماً الفكرة القائلة إنّ المهمّة القادمة والأكثر إلحاحاً للشيوعية الروسية هي »تنظيم مسك الحسابات والرقابة في المنشآت التي جرى فيها بالفعل نزع ملكية الرأسماليين، وفي سائر المنشآت الاقتصادية كافّةً«³⁹. غير أنّ Lenin أبعد ما يكون عن أن يدرك أنّ الأمر هنا يتعلق بمشكلةٍ جديدةٍ تماماً لا يمكن حلّها بالوسائل الفكرية للثقافة »البرجوازية«. فهو، بوصفه سياسياً واقعياً أصيلاً، لا يفكّر فيما هو أبعد من مهامّ الغد. وما زال يرى من حوله التعامل النقدي، ولا يلحظ أنّ النقد، مع تقدّم التشريك، لا بدّ أن يفقد أيضاً مكانته بوصفه وسيط تبادلٍ شائع الاستعمال بقدر ما تتلاشى الملكية الخاصة ومعها التبادل. فإعادة إدخال المحاسبة »البرجوازية« التي تحسب بالنقد إلى المنشآت السوفييتية هو ما يريده Lenin، وذلك هو معنى مقولاته. ولذلك يريد أيضاً أن يستقبل من جديد، صفحاً ورضاً، »الاختصاصيين البرجوازيين«²⁰. وفيما عدا ذلك، لا يلحظ Lenin، شأنه شأن Bauer، أنّ وظيفة المصارف بمعناها الراهن غير قابلةٍ للتصوّر في الكيان الاشتراكي. فهو يريد أن يمضي في »تأميم المصارف« وأن يخطو نحو »تحويل المصارف إلى عُقدٍ مركزية للمحاسبة الاجتماعية في ظلّ الاشتراكية«²¹.

وعلى العموم، فإنّ تصوّرات Lenin عن اقتصاد الاشتراكية، الذي يجهد في أن يقود شعبه إليه، مُفعَمةٌ بالغموض. فهو يرى أنّ »الدولة الاشتراكية لا يمكن أن تنشأ إلّا بوصفها شبكةً من الكومونات المنتِجة المستهلِكة، التي تمسك بدقّةٍ حسابات إنتاجها واستهلاكها، وتتعامل مع العمل بشكلٍ اقتصاديّ، وترفع إنتاجية العمل بلا انقطاع، وبذلك تُحرز إمكان تقليص يوم العمل إلى سبع ساعاتٍ، إلى ستّ ساعات، وإلى ما هو أقلّ«²². »كلّ مصنع، وكلّ قرية، يَظهر بوصفه كومونةً منتِجةً مستهلِكةً، لها الحقّ والواجب في أن تطبّق على طريقتها الأحكام السوفييتية القانونية العامّة (على طريقتها، لا بمعنى انتهاكها، بل بمعنى اختلاف أشكال تنفيذها في الحياة)، وأن تحلّ على طريقتها مشكلة حساب الإنتاج وتوزيع المنتجات«²³. »وعلى الكومونات النموذجية أن تخدم الكومونات المتخلّفة بوصفها مربّيةً ومعلّمةً وحاثّةً، وهي ستفعل ذلك.« وسوف يُعلَن عن نجاحات الكومونات النموذجية بكلّ تفاصيلها، حتى يصير المثال الحسن مَثَلاً يُحتذى. أمّا الكومونات التي تُظهر »نتائجَ تجاريةً اقتصاديةً« جيّدة، فستُكافأ من دون تأخير »بتقصير وقتٍ معيّنٍ من يوم العمل، وبزيادة الكسب، وبمنح كمّيةٍ أكبر من الخيرات والقيم الثقافية والجمالية، وما إلى ذلك«²⁴.

يُستشَفّ من ذلك أنّ مثال Lenin الأعلى هو حالةٌ اجتماعيةٌ تكون فيها وسائل الإنتاج ملكاً للكيان بأسره، لا ملكاً لمناطقَ أو بلدياتٍ منفردة، ولا حتى لعمّال المنشأة. فمثاله الأعلى اشتراكيّ، لا نقابيّ. وهذا لم يكن يحتاج، عند ماركسيٍّ مثل Lenin، إلى تأكيدٍ خاصّ. وهو لا يلفت النظر عند المُنظّر Lenin، بل عند رجل الدولة Lenin، قائد الثورة الروسية النقابية ذات الطابع الفلّاحي الصغير. غير أنّنا لا نتعامل في اللحظة الراهنة إلّا مع الكاتب، ويمكننا أن ننظر في مثاله الأعلى لذاته، من دون أن تشوّش علينا صورة الواقع. فكلّ منشأةٍ زراعيةٍ أو صناعيةٍ كبيرةٍ منفردةٍ تشكّل بناءً على ذلك عضواً في جماعة العمل الكبرى. ويملك العاملون فيها حقّ الإدارة الذاتية؛ ولهم تأثيرٌ واسعٌ في تنظيم الإنتاج، ثمّ كذلك في توزيع الخيرات المخصّصة لهم للاستهلاك. غير أنّ وسائل العمل ملكٌ للمجتمع بأسره، ومن ثَمّ يؤول المنتَج أيضاً إلى المجتمع، ليتصرّف هو في توزيعه. والآن يجب أن يُطرح السؤال: كيف سيُحسَب في الاقتصاد في الكيان الاشتراكي المنظَّم على هذا النحو؟ ولا يُعطي Lenin على ذلك إلّا جواباً قاصراً كلّ القصور، إذ يُحيل على الإحصاء. فلا بدّ، في رأيه، من حمل الإحصاء »إلى الجماهير، وجعله شعبياً، حتى يتعلّم العاملون تدريجياً بأنفسهم أن يفهموا ويروا كيف وكم يجب أن يعملوا، وكيف وكم يمكن أن يستريحوا، حتى تصير مقارنة النتائج التجارية الاقتصادية لكوموناتٍ منفردةٍ موضوعاً للاهتمام العامّ وللتعلّم«²⁵. ولا يمكن أن يُستخلَص من هذه التلميحات الشحيحة ما الذي يتصوّره Lenin هنا تحت اسم الإحصاء، أيفكّر في حسابٍ نقديّ أم في حسابٍ عينيّ. وعلى أيّ حالٍ يجب أن نُحيل على ما قيل أعلاه عن استحالة معرفة الأسعار النقدية لسلع الإنتاج في كيانٍ اشتراكيّ، وعن الصعوبات التي تعترض الحساب العينيّ²⁶. فالإحصاء لن يكون قابلاً للاستعمال في الحساب الاقتصادي إلّا إذا أمكنه أن يتجاوز الحساب العينيّ، الذي برهنّا على ضآلة صلاحيته لهذه الأغراض. وهذا بطبيعة الحال غير ممكنٍ حيث لا تتكوّن في التعامل أيّ نسبة تبادلٍ بين السلع.

لا بدّ، في ضوء ما استطعنا إثباته في العروض السابقة، أن يثير الانتباه أنّ روّاد نمط الإنتاج الاشتراكي يدّعون لهذا النمط، إزاء النظام الاقتصادي القائم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، مزيّة عقلانيةٍ أكبر. ولسنا في إطار هذا العمل بحاجةٍ إلى أن نتناول هذا الرأي بقدر ما يُسنَد بالزعم القائل إنّ عقلانية الاقتصاد في النظام الليبرالي لا يمكن بالضرورة أن تكون كاملة، لأنّ ثَمّةَ قوى معيّنةً فاعلةً تعوق تحقّقها. ولا يمكن أن يشغلنا في هذا السياق إلّا التأسيس الاقتصادي التقني لهذا الرأي. فأنصار هذا المذهب يحوم في أذهانهم مفهومٌ غامضٌ لعقلانيةٍ تقنية، يُفترَض أن تكون في تضادٍّ مع العقلانية الاقتصادية، التي لا يُكوَّن عنها أيضاً تصوّرٌ دقيق. ويُغفَل عادةً أنّ »كلّ عقلانيةٍ تقنية للإنتاج هي واحدةٌ مع انخفاض مستوى الإنفاق النوعي عند الإنتاج«²⁷. ويُغفَل أنّ الحساب التقني لا يكفي لمعرفة »درجة الملاءمة الكلّية والملاءمة الغائية«²⁸ لعمليةٍ ما، وأنّه لا يقدر أبداً إلّا على ترتيب عملياتٍ منفردةٍ بحسب أهمّيتها، لكنّه لا يقودنا قطّ إلى تلك الأحكام التي يقتضيها الوضع الاقتصادي العامّ. فلا يمكن، إلّا بفضل قدرة التقنية على أن تتوجّه بالربحية، تجاوزُ صعوبات المُداولة الناشئة عن تعقيد العلاقات بين نظام الإنتاج الراهن الهائل من جهة، وحاجات المنشآت والوحدات الاقتصادية وطاقتها على الأداء من جهةٍ أخرى، ولا يمكن إلّا بذلك اكتساب تلك النظرة الشاملة على الوضع العامّ التي يقتضيها الفعل الاقتصادي العقلاني²⁹.

إنّه التصوّر الغامض عن أوّليةٍ للقيمة الاستعمالية الموضوعية هو ما تهيمن عليه هذه النظريات. والحقيقة أنّ القيمة الاستعمالية الموضوعية لا يمكن أن تكتسب أهمّيةً للاقتصاد في إدارة الشأن الاقتصادي إلّا من خلال التأثير الذي تمارسه، عبر القيمة الاستعمالية الذاتية، على تكوين نِسب التبادل بين السلع الاقتصادية. ويتداخل تصوّرٌ غامضٌ ثانٍ: الحكم الشخصي للمراقب على منفعة السلع، وهو حكمٌ يتعارض مع حكم الجمهور المشارك في التعامل الاقتصادي. فإذا رأى أحدٌ أنّه من »غير العقلاني« أن يُنفَق على التدخين والشرب وما شابهها من ضروب المتعة هذا القدر الذي يُنفَق عليه في الاقتصاد الوطني، فإنّه، من زاوية تقييمه الشخصي، على حقٍّ بلا ريب. غير أنّه يُغفِل بذلك أنّ الاقتصاد ليس إلّا بحثاً عن الوسائل، وأنّ ترتيب الغايات القصوى، رغم كلّ المُداولات العقلانية التي تؤثّر في وضعها، هو شأن الإرادة لا شأن المعرفة.

إنّ إدراك حقيقة أنّ الاقتصاد العقلاني غير ممكن في المجتمع الاشتراكي لا يمكن بطبيعة الحال أن يكون حجّةً لصالح الاشتراكية ولا ضدّها. فمن كان مستعدًّا لأسباب أخلاقية لتبنّي الاشتراكية حتى في ظلّ افتراض أنّ الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج تُقلّص إمداد الناس بالسلع الاقتصادية من الرتبة الأولى، أو من كان يبتغي الاشتراكية مدفوعًا بمُثُل زهدية، فلن يتأثّر سعيه بذلك. بل إنّ ذلك سيكون أعجز عن ردع أولئك الاشتراكيين الثقافيين الذين ينتظرون من الاشتراكية، مثل Muckle، في المقام الأوّل »الخلاص من أفظع كلّ أنواع البربرية: العقلانية الرأسمالية«3. غير أنّ من يأمل من الاشتراكية اقتصادًا عقلانيًّا سيكون مضطرًّا إلى إخضاع تصوّراته للمراجعة.

APPARATUS

Notes

Footnotes

  1. ⁶ وهذا ما أدركه أيضًا Neurath (Durch die Kriegswirtschaft zur Naturalwirtschaft. München 1919 S. 216 f.). فهو يطرح الزعم بأنّ كلّ اقتصاد إداري كامل هو في نهاية المطاف اقتصاد عيني. »ومن ثَمّ فإنّ الاشتراكية تعني تعزيز الاقتصاد العيني.« غير أنّ Neurath يُغفل فحسب الصعوبات التي لا يمكن تجاوزها والتي لا بدّ أن تنشأ أمام الحساب الاقتصادي في المجتمع الاشتراكي.

  2. ¹³ قارن Kautsky, Vorrede zu Atlanticus (Ballod), Produktion und Konsum. im Sozialstaat. Stuttgart 1898, S. XIV.

  3. ³⁰ قارن Muckle, Das Kulturideal des Sozialismus. München und Leipzig 1919, S. 213. – ومن جهة أخرى يطالب Muckle مجدّدًا بـ»أقصى عقلنة للحياة الاقتصادية، كي يُختصر وقت العمل ويتمكّن الإنسان من الانكفاء مرّةً أخرى إلى جزيرة، لينصت إلى ألحان كيانه«، المرجع نفسه S. 208.

APA
Chicago
German historical style